محمد بن جرير الطبري
305
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس : 363 - حدثنا أبو كُريب قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " ، قال : يسخر بهم للنقمة منهم ( 6 ) . وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره : الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " ، إنما هو على وجه الجواب ، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة ، فنافُون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه ، وأوجبه لها . وسواءٌ قال قائل : لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به ، أو قال : لم يخسف الله بمن أخبر أنه خَسَف به من الأمم ، ولم يُغرق من أخبر أنه أغرقه منهم . ويقال لقائل ذلك : إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكرَ بقوم مضَوْا قبلنا لم نَرَهُم ، وأخبر عن آخرين أنه خَسَف بهم ، وعن آخرين أنه أغرقهم ، فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك ، ولم نُفَرِّق بين شيء منه . فما بُرهانُك على تفريقك ما فَرَّقت بينه ، بزعمك : أنه قد أغرقَ وخَسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به ، ولم يمكُرْ بمن أخبر أنه قد مكر به ؟ ثم نعكس القول عليه في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزِم في الآخَر مثله . فإن لجأ إلى أن يقول : إن الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ ، وذلك عن الله عز وجل منفيٌّ . قيل له : إن كان الأمر عندك على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء ، أفلست
--> ( 6 ) الخبر 363 - ساقه ابن كثير في تفسيره 1 : 94 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .